مقدسات كرة القدم

هناك بضعة مفاهيم مقدسة في عالم المركولة المستديرة. فمثلاً، فيرغسون هو الأب الروحي لكرة القدم، الاتحاد الانجليزي يعج بالبلهاء المتعلثمين، مسؤولوا الفيفا مُسيرون بالمال، وبرشلونة لن يضع أبداً شعار أي شركة على قميصه.

اليوم، رفعت الأقلام و جفت الصحف، إجتمعو لنترحم على المدعوة “كرة القدم”.

احدى تلك المبادئ حطمت من طرف برشلونة قبل بضعة أيام مضت، تقليد أستمر لأكثر من قرن و ربع، عندما وافق برشلونة على عقد رعاية من شركة قطرية بقيمة 25 مليون باونداً كل سنة، لمدة خمسة سنوات قادمة، إنها أغلى صفقة رعاية على الاطلاق.

بداية من موسم 11/2012 سيحمل برشلونة على قميصه شعار المنظمة القطرية، التي تدعو إلى مونديال قطر 2022. لكن هذا قرار لن يمر مرور الكرام على مشجعي النادي الكاتالوني، رغم ان مجلس إدارة النادي تحجج بهذا القرار بدعوة “تراكم الديون” على النادي.

“إنه ليس شعاراً تجارياً، وليس ذا مكسب، إنه شعار لمنظمة غير حكومية في بلاد تريد الدعاية إلى التعليم و الرياضة، كما يعلم الجميع، عبر تنظيم كأس العالم 2022”، هكذا قالها نائب رئيس برشلونة “خافيير فوس”, و أضاف “برشلونة يحتاج هذا المال لتسديد الديون التي وصلت إلى 420 مليون أورو”

و هاهنا، هي ضربة أخرى من القطريين، التي حصلت على شرف تنظيم العرس الكروي قبل 10 ايام من اليوم، من خلال إقناع مستشارين ذوي 22 سنة من الخبرة في الفيفا، بتنظيم كأس العالم في بلاد لا تملك ثقافة كرة القدم، في الصيف، حيث لا تقل درجة الحرار عن 40°. تلك كانت ضربة قوية، ثم تشتري قطر مرة أخرى طريقها إلى قميص برشلونة.

أنا لا اقول انه لا يوجد ظغط إقتصادي على النادي، سواء بالديون او بدونها. نجاح و شعبية النادي و المكانة العالمية للزي الكاتالوني كانت دائماً تتيح مجالاً لصفقة ضخمة في نادي يملكه (و يديره) مشجعو الفريق. علاوة على ذلك، برشلونة كانت تدفع 1.5 مليون باوند سنوياً منذ 2006 لليونيسيف، لكي يتيح للفريق حمل شعار “منظمة الأمم المتحدة للطفولة”، و هذه الصفقة جعلت اليونيسيف يظهر الآن كأنه مصاص دماء للنادي الكاتالوني.

ولا يخفى على مشجعي مانشستر يونايتد، منذ قدوم آل جلايزر للأولد ترافورد سنة 2005، ان قدومهم كأن لتوليد إيرادات لتغطية ديون العائلة الامريكية مما سبب غضباً عارما في أوساط معجبي زعيم انجلتراً، و قررو بعد ذلك إنشاء نادي “United of Manchester” احتجاجاً على الجشع الأمريكي، يونايتد أوف مانشستر يجمع بين قيم برشلونة و إسم مانشستر يونايتد!

في حين ان أندية أخرى تلعب بكرة منفوخة بالدولارات، برشلونة كانوا يعلمون, في قلوبهم, أن الولاء يأتي قبل المال, أن المبادئ أهم من الربح، أن هذا الكيان “أكثر من مجرد نادي” انه فلسفة و طريقة عيش. وما هو أسوء، أن برشلونة لم يباع إلى بنك لعين لزيادة “قيمة النادي”، بل باع نفسه إلى منظمة ذات سجل مروّع في حقوق الانسان. برشلونة، النادي الذي نمّى نفسه بنفسه، وتأسس على مبادئ التبادلية و التنمية الداخلية، أصبح الآن بين يدي الثروة المعدنية.

لنرفع نخباً لكل المشجعين الذين يتذكرون كيف كانت كرة القدم قبل ان تصبح منفوخة بالمال، وغير مسيّرة بالهيمنة التلفزيونية و “الحاجة لإستغلال العلامة التجارية”. لنرفع نخباً لذلك المشجع الذي قام بكتابة نشيد/قصيدة إلى النادي الذي على ما يبدو — رغم سوء الادارة المالية — يفهم جوهر كرة القدم, في الوقت الذي تحولت عديد النوادي الرياضية إلى “نوادي ترفيه”، بما في ذلك مانشستر يونايتد. وقف برشلونة شامخاً أمام كل ذلك، كما لو انها “حرفة العائلة” كما عرفناها في ثلاثية The Godfather.

يجب على المشجعين أن يكونو شاكرين للتبادلية المرسخة في ميثاق النادي (بين المشجعين والإدارة), لكن رغم ذلك سيبقى السؤال مطروحاً: هل سيصمد برشلونة أمام تأثيرات العولمة؟!

في الواقع، يبدو ان بيب جوارديولا (و الملقب بمستر برشلونة!) من المؤيدين لهذه الصفقة. لا بل دعوني أصحح، إنه يقول انه كان جذرها, “يجب ان نأخذ بالحسبان ان الارقام داخل النادي لا تبشّر بالخير، لكننا نعمل على تحسينها”، هكذا قال المدرب ذو الـ 39 عاماً.

الآن، هذه الصفقة، يمكنها أن تبرر زيادة اسعار التذاكر، و حقوق تسمية الملعب … وما إلى ذلك من هذا الهراء.

– في اليوم الذي يأتي فيه المال قبل المبادئ، تموت الكرة!

علّق على هذا المقال

إذا أعجبك ما قرأته للتوّ (أو لم يعجبك) أخبِر الكاتب برأيك, إنه يقدر ذلك