الوقائع الطبيعية في حياة طوكال أبي الطول المتطائل

طَأطَأنَا الهَامَة
وَالأَطْوَلُ أصبَحَ، مِنْ خَوْفٍ
الاَقْصَرَ قَامَةً


حكى منذ زمن طويل في هذه الأرض حكواتي فلسطينيّ لكم عن قصة سعيد أبو النحس المتشائل، والوقائع الغريبة التي أدت إلى اختفاءه. لكن قبل ذلك، بوقت طويل أيضا، انتشرت في هذه الأرض حكايات أخرى عن حياة عادية لرجل وُلد في عائلة حمل أفزادها كنية “أبو الطول” بالرغم من قاماتهم القصيرة، فاعتادوا أن يسموا أول طفل من كل جيل جديد بإسم “طوكال” تمنياً في أن يولد بينهم واحد بقامة عادية.

بالرغم من ذلك، ومع توالي الأجيال، لم يولد أي طوكال طويل حقاً، وتحولت الكنية إلى نكتة توارثتها سلالة أبو الطول أبا عن جد، أو بالأحرى، أباً عن مولود أول. إلى أن ولد طوكال أبو الطول، التاسع من هذا الإسم، الذي بدى في صباه انه سيخلف أباه في تحمل مذلة إسم الطويل وقامة القصير، إلا أن طفرة نموّ فجائية جعلته يتحول في غضون سنين قليلة إلى أطول فرد في تاريخ سلالة أبي الطول كلها، وجعلته يكتسب لقب المتطائل.

هذا طبعا لم يمر غير ملحوظ على قبيلته، التي اصبح افرادها الآن مجبرين على التعامل مع هذا المسخ البشري الذي تشرئِبُّ أعناقهم مُجبرة كلما حاولوا الحديث معه. انتشرت شائعات كثيرة حول قامة أبو الطول، البعض ادعى أن والدته فوزية خانت زوجها مع سباك إيطالي مدمن على تناول الفطر، أما رواية أخرى ادعت انها نامت مع أخ السباك الذي هو أطول منه قامة، أما رواية ثالثة فادعت انه لم يكن سباكا على الإطلاق بل يمتهن تكسير الطوب بحثا عن قطع نقدية.

أما أبوه فكان فخوراً بنفسه كثيراً (ولم يكن فخوراً بإبنه على الإطلاق)، وكان يدّعي بين الناس ان لديه جينات إله يدعى ياو مينغ، رغم انعدام أية أدلة تشير إلى ذلك.

أما طوكال ذات نفسه، فلم يكن يعير قامته الجديدة أي انتباه، على عكس أفزاد القرية الذين ما فتأوا يذكرونه بها في كل مرة يرونه فيها. في بادئ الأمر، كان هذا الانتباه يروق له كبديل للازدراء المستمر الذي تعرض له منذ طفولته، لكن سرعان ما تحول هذا الانتباه إلى إزعاج، فالمرء لا يتحمل سوى مقدار معين من ذات الأسئلة حول لعب كرة السلة أو ممارسة السباحة، ومحاولاته للرد بشكل تهكمي على هذه الأسئلة (بسؤال الإناث عن الجمباز، والذكور عن الفروسية) كانت تبوء بالفشل نظراً للمستوى الفكري العالي الذي يتطلبه فهم هذه السخرية.

مع توالي الوقت، سرعان ما تحولت هذه السنتيمترات القليلة التي اكتسبها طوكال إلى لعنة، وتسببت له في عدة مشاكل صحية أصرت والدته على أنها أتت بسبب الحسد والعين، أما والده فقد نسبها إلى جينات والدته التي، على حد قوله، لم تساهم سوى في ظهور شوارب طوكال في عمر مبكر.

مثل غالبية عائلات هذا الجيل، الصحة كانت شيئاً اختيارياً وليس ضروريا لدى عائلة أبو الطول، فلذلك أي زيارة للطبيب لابد أن تكون مسبوقة بانهيار جسديّ كامل أو انكسار عضو ما بطريقة لا تشفى باستخدام المرهم الأصفر. فلذلك كان يقال دوما لطوكال بأن “يتحمل ألامه كرجل” (وهي عبارة تقال لدى عائلة أبو الطول حتى للنساء أحيانا) وأن الألم سيزول بعد فترة بالتأكيد (يقال أن خال طوكال كان قد فقد بصره لخمسة أشهر قبل ان يستسلم أخيراً أن بصره لن يعود غداً، بعد حادثة تضمنت مقعد حمام، مكبس عالق في وسطه، ورغبة جامحة بالتغوط) ولكن هذا لم يكن غريبا جداً، بل متداولاً الى حد ما بين غالبية عائلات ذلك الجيل. ما قد يبدو غريبا هو أن عائلة أبي الطول تتخذ من كل حالة مرضية كبيرة لأي فرد من العائلة مناسبة للتحقق من كل تلك الأمراض “الاختيارية”، بطريقة لا يمكن أن توصف سوى بأنها “بينمائية”. وما هذا؟ تسأل أنت. لنقل على سبيل المثال انك ذهبت للمول التجاري لتشتري عطراً، فتتصل بك والدتك لتطلب منك زيارتها لكي تصلح الانترنت الخاص بها، ثم عندما تخبرها أنك بالمول تسألك “بما انك في المول، هلا جلبت لي معك كذا وكذا؟”، وهذا شيء طبيعي ومعتاد وجاري به العمل منذ أجيال، الغريب هو أنه مثلا عندما انزلق أخو فوزية في حوض حمام منزله وكسر حوضه (حوض الأخ، أما حوض الحمام فلم يصبه شيء) وذهبت فوزية لتزوره برفقة زوجها، التفتت إلى هذا الأخير وقالت “بما أننا هنا، لربما يجدر بك التحقق من امر تحول لون بشرتك للأصفر منذ العام الماضي؟ لعله مرض ما وليس جانبا عرضياً لمشاهدتك لكل حلقات السيمسونز”، لذلك عندما انزلق أخو فوزية مرة أخرى وكسر حوضه الصغير في حوضه الكبير، جائت والدة طوكال على ذكر الألام التي يعاني منها ابنها وأن هذه فرصة مناسبة للتحقق من الأمر.

مزعج أن تكون صحتك ثانويةً هكذا، لكن هذا أفضل من لا شيء، أو هذا ما كان يقوله طوكال لنفسه، وعلى أية حال، ليس للأمر أهمية في هذه الأثناء، إذ هو الآن في طور الحصول على موعد مع طبيب العظام ليشكو له ألامه. سألته الفتاة في مكتب الاستقبال عن اسمه، وعلت على وجهها نظرة مشككة عندما أجابها، سألته عن مكان الولادة، “طولكرم” قال لها. لم يولد طوكال حقاً في طولكرم، بل حوالي ثلاثمئة كيلومتر شرقاً في القنيطرة، لكنه كان يتسلى في اختلاق أماكن ميلاد ومهن موازية، فهاهو تارة مصارع ثيران في طوليدو، وتارة أخرى لاعب رغبي في طولون، وأحياناً جامع أزبال في واشينطول (إذا كان يملأ استمارة ما)، كُتابه المفضلون هم طولكين وطولسطوي، ولاعبه المفضل هو الحارس طولدو، وما إلى ذلك من هذه الأشياء.

بعد الإجابة على بقية أسئلة موظفة مكتب الاستقبال، اتجه طوكال إلى مكتب الطبيب مرفوقاً بوالده وجلسا ينتظران قدوم دوره. في هذه الأثناء جلس طوكال يفكر في الأشياء التي سيشتكي منها للطبيب، على رأسها ركبتاه المتهالكتان، ظهره المقوس، وبقية عظامه التي تُشعر المتطائل بالشيخوخة المبكرة رغم
أن عمره لم يتجاوز العشرينات. عندما يتعلق الأمر بركبتيه، يجد طوكال صعوبة في الانحناء والركوع، مما جعله يضطر للجوء للصلاة جالساً على كرسي، الأمر الذي قوبل (ولا يزال) بالكثير من التشكيك في مسجد القرية خلال صلاة الجمعة، وبالكثير من الحسد خلال صلاة التراويح.

عندما دخل الإثنان قاعة الطبيب أخيراً وسلما عليه، توجه الطبيب بالكلام إلى الأب سائلاً إياه عما يؤلمه، قبل أن يصححه هذا الأخير على الفور أن هذا الشاب الطويل النحيل هو الذي خانته صحته وليس العكس، مما أدهش الطبيب الذي قال لطوكال:

– يا بنيّ، انت بعمر كذا وكذا ولا يزال أبوك يرافقك إلى الطبييب. لقد كبرت شلاغمك، وأصبح ليها شلاغم صغيرة تذهب إلى مدرسة المشلغمين، ولا يزال والدك يرافقك إلى الطبيب؟
– إنه هنا فقط ليتيقين أن جيناته ليست الملامة في أياً ما آل بي.
– وجينات من الملامة إذاً؟
– والدته، صرخ الأب. جينات تلك المرأة لم تعطه سوى شلاغمه الكبيرة.
– يكفي شلغمة، أخبرني يا… ونطر الطبيب إلى الورقة الموضوعه أمامه ليقرأ الإسم… طوكال، ما المشكلة التي تواجهها؟

شرح طوكال بالتفصيل مشاكله العديدة للطبيب، الذي تفحص ركبتيه وبدا مستغرباً من أن طوكال يشكوا من أي شيء، فطلب بعض الفحوصات ليتيقن، وعندما عادت الفحوصات زاد استغرابه.

– أبشرنا يا سيد، جينات من الملامة؟
– دكتور
– نعم؟
– دكتور وليس سيد

يحب الأطباء تذكيرك دوماً بهذه الجزئية، وكأنها لقب فروسية من ملكة بريطانيا.

– أجبنا يا دكتور، تدخّل طوكال قبل أن يخرج والده عن الموضوع، ماذا وجدت؟
– لديك حالة شائعة جداً: أنت طويل
– معذرة يا دكتور؟
– أنت طويل، هذا كل ما في الأمر
– أعرف ذلك يا دكتور، ولكن هل هناك شيء أخر لا أعرفه؟
– تريلرات الأفلام كانت تعرض بالعادة بعد الفيلم وليس قبله في السينمات
– أقصد حول حالتي يا دكتور
– آه، لا يوجد شيء ليقال، ركبتك سليمة وكل شيء طبيعي وفي مكانه
– لماذا تؤلمني ركبتي عندما اركع أو أنحني؟
– لأن ساقيك طويلتان ولديك ركبة عادية
– هاه؟
– لم تولد بركبة طويلة، أو أربطة ركبة طويلة، أو أي شيء أخر غير ما لدى بقية البشر
– إذا لماذا لا أستطيع فعل أشياء يفعلها الاخرون بشكل عادي؟
– لأنك لست هم
– ولماذا لا يتألمون عندما أفعل أشياءاً تؤلمني أنا؟
– لأنهم ليسوا أنت
– غير منطقي
– أيضاً عرض التريلرات بعد الأفلام ليس منطقياً
– إنسى أمر التريلرات، ماذا يمكنني أن أفعل لأتخلص من الألم؟
– ﻻ تنحني
– ماذا لو اضطررت لكي أنحني؟
– كف عن التذمر كفتاة وتحمل الأمر كرجل
– شكراً لك يا دكتور، قال الأب كما لو أنه كان ينتظر هذه المقولة منذ دهر، هذا ما أقوله له دائماً
– هل يمكنك على الأقل أن تكتب لي ورقة طبية تعفيني من الانحناء؟
– لأي غرض؟
– لا أعلم، ليتيقن الناس أنني لست مدّعياً
– وما أدراني عما إذا كنت مدعياً أم لا، كل ما أعرفه هو أنك طويل
– هل يمكنك أن تكتب ذلك في ورقة؟
– حسناً. “أنا الطبيب فلان الفلاني أشهد أن طوكال أبو الطول مصاب بطول القامة”، هل هذا كافي؟
– يكفي ويزيد. شكراً لك يا دكتور.

أخذ طوكال ورقة الطبيب ومضى يريها لكل سكان القرية، وأصبح يستخدمها في كل فرصة سانحة ليحصل على معاملة خاصة، فيصلي التراويح جالساً، ويجلس في المقعد المخصص للمعاقين في الباص والمترو، ويحصل على أوسع مقعد في الطائرة، ويحصل على تخفيض في السينمات (لكن كان يكره الجميع الجلوس خلفه). تزوج طوكال وخلف مجموعة من الطواكيل الصغار المشلغمين، وعاش حياة عادية. أما والده فقد قضى حياته يتفاخر بجيناته، وطلقته زوجته لنفس السبب، أما حوض أخيها فلم يتحمل سقوطاً ثالثاً وانكسر (حوض الحمام هذه المرة، وليس حوض الأخ)، وعاش الجميع في سعادة وهناء نوعاً ما.

آخر ما قد سُمِعَ عن طوكال هو أنه مات شنقاً بعد أن رفض الانحناء للحاكم خلال زيارته للقرية، وفي رواية أخرى، انحنى طوكال ليلتقط درهماً ولم ينهض بعدها أبداً، أما رواية ثالثة فقالت أن طوكال عاد لحجمه الأصلي بعد أن داس بالخطأ على سلحفاة، لكن لا توجد أية مصادر تؤكد ذلك بشكل يقين.

علّق على هذا المقال

إذا أعجبك ما قرأته للتوّ (أو لم يعجبك) أخبِر الكاتب برأيك, إنه يقدر ذلك