مول الساروت

قد لا أكون رجلاً ذو عادات و تقاليد, لكن هناك بضعة أشياء أسبوعية أعتبرها مقدسة لديّ: مانشستر يونايتد, النوم, و الحمام. وأنا لا أقصد الحمام المرحاض, التواليت, أو أياً ما كان يسمى حيث انت. انا اتحدث عن الحمام المغربي, الصونا الأصلية وليس الأسيوية المزورة, التكسيلة المونديالية. بل في الواقع, لا أثق بأي شخص يخبرني أنه لا يذهب للحمام, وكيف تثق بشخص يفضل ان يتشوّر (بمعنى: أن يأخذ شاور) بدل ان يتكسّل في الحمام؟ لا, لا, لا, وألف لا.

حصة الحمام أعتبرها طقساً أسبوعياً, ساعة من الزمن, تطيح عليّ فيها جميع أنواع الأفكار العبقرية, بدون ان يكون لديّ قلم لأدونها. أفضل أن اذهب للحمام في الصباح الباكر, تعودت ان ارافق أبي للحمام على الساعة السادسة صباحاً, نكون اول من يتكسّل في الحمام, رغم ذلك والدي لم يسمح لي بالتزلج على الزليج رغم ان الحمام فارغ, محطماً بذلك احلامي لأن أكون متزلجاً محترفاً على الزليج في أولمبياد الكسّالة باليابان 2020. لكن هيهات, فور ما تخلصت من قيوده و اصبحت اذهب للحمام بمفردي, تزلجت حتى ذلك اليوم الذي أصبح الناس يرمقونني فيه بنظرة قائلة “راك كبير!”.

لكن ذات يوم, فزت برحلة لثلاثة اشخاص إلى منتجع مترف, فاخترت ثلاثة من اصدقائي ليرافقوني في نهاية الاسبوع القادم. ليس حباً مني لأصدقائي, فقط لأنه لا يسمح لي بأن أذهب له ثلاثة مرات بنفسي! (قوانين غبية!)

وصلناً إلى منتجع بوجمعة, الذي يتكوّن من حمام, مسبح, و شاور. بما انني لم أرتد من قبل مسبحاً قررت ان أفوّت تكسيلة في الحمام للمرة الاولى في حياتي, لكي اجرب السباحة في المسبح, فعلى أية حال, قامتي أطول من قامة مايكل فيلبس.

غيرنا ملابسنا, وبـ”غيّرنا” أقصد اننا كنا عاريين إلا من شورت السباحة. وبما أنني تأخرت في تغيير ملابسي اكثر من البقية, فقد كلفوني بإيداع حقائبنا لدى المسؤول عن الحقائب, بينما هم نزلو بالفعل إلى المسبح. نزلت إلى الأسفل أنا الأخر, بعدما أعطاني المسؤول ثلاثة “مفاتيح”, تأتي مع سوار مطاطيّ, وضعت واحداً بكل ذراع, و لففت الثالث على عنقي. كان السوار سيئ الصنع, بحيث ينتف الشعر و يخدش الجلد وأنت تحاول ان ترتديه, لكن فور ما يكون جاهزاً, يعطيك شعوراً وكأنك ترتدي إحدى أسورة “باتمان”, خصوصاً إذا كنت ترتدي ثلاثة منهم!

لقد كنت أنا هو “مول الساروت” البطل الخارق, الطويل, النحيف, العاري, الذي قوته الخارقة تتجلى في فتح أي قفل!

في الممر المؤدي للمسبح, كانت هناك لافتة كبيرة تشير إلى الشاور. مع تعليمات مشددة بأن تغتسل قبل دخول المسبح. لماذا؟ لا احتاج ان اغتسل. ليس وكأنني كنت أتدحرج في حفرة وحل, وليس وكأنني مُشع نووياً أو أي شيء من هذا القبيل. وليس وكأن المسبح لا يحتوي على مواد كيماوية أكثر من الموجودة في صابون ديتول.

لقد كنت “مول الساروت”, “ساروت مان” بالإنجليزية (لأنه على ما يبدو “الكيمان” إسم جزيرة لعينة لا يعلم أي أحد أين تقع!). أنا “مول الساروت” و يمكنني أن أفعل ما يحلو لي!

لكنني إغتسلت على أية حال, لم أرد أن أبدو بمنظر غير-نظيف. لم أرد ان اجعل الناس يجرون هاربين صارخين وهم يشيرون إليّ لأن طويل القامة المتسخ على وشك ان ينزل إلى المسبح.

بل إنني لم امانع ذلك في الحقيقة. الشاور كان دافئاً, وأنا اعلم ان المسبح سيكون بارداً. لذلك إستمتعت بالشاور أكثر مما كان ينبغي. إلى أن إقترب مني أحد مسؤولي المسبح, وهو مرتدي ملابسه كلياً. إبتسم لي من بعيد و لوّح بيديه, لكنه الآن متجه مباشرة نحوي.

ثم قال, “هل سبق لي و التقيتك؟”

إستغربت قليلاً, ليس بسبب السؤال. بل إنه سؤال شائع و يقال لي كثيراً, بل بسبب الوضعية كلها. أحسست بأنني في موقف ضعف. فقد كنت عارياً كلياً إلا من شورت السباحة. لكنني كنت في الشاور, تحت الشاور, “أتشوّر”. بينما هو كان مرتدياً حُلة و ربطة عنق, وحذاء جلديّ, ومعطف طويل. ولم يبدُ ان ذلك يزعجه, إذ أنه اقترب اكثر مني, بمسافة كافية لأن تتبلل ملابسه, لكن ذلك لم يزعجه على ما يبدو.

“هل أنت هو (كراوش)؟”, سألني مجدداً

كان هذا هو لقبي لفترة طويلة, كناية عن اللاعب الانجليزيّ الطويل القامة “بيتر كراوش”. أجبته بكل أدب, فقط لكي أتخلص منه. لكنه لا يزال واقفاً هنا, بل انه يريد ان يصافحني الآن. إقترب أكثر. الماء يطرطش على ملابسه و حذائه, و هو الآن يصافح يدي المبللة. لقد كان “يتشوّر” معي تقريباً!

لم أُرد ان أكون فظاً. أنا سعيد لإهتمامه بي لدرجة ان يصافحني, لكنه لا يزال يصافحني الآن و كل ما أريده هو ان يتركني في حالي. لقد كان الموقف برمته غريباً. كل ما أردته هو أن أنضمّ إلى أصدقائي في المسبح, لكنني بدل ذلك أصافح رجلاً بكامل ثيابه في الشاور, أتحدث عن المدرسة الثانوية و مباريات كرة السلة و شهرتي الكبيرة بإسم “كراوش” رغم أنني لاعب كرة سلة!

قررت ان اتخذ موقفاً, سبحت يدي من قبضته المحكمة, و اتجهت نحو المسبح بعد أن قلت له “تشرفت بلقاءك”.

لكنه لم يستسلم بهذه السهولة. لم يكن مستعداً لأن يتركني أهرب منه بهذه البساطة. فقد تبعني و هو يخبرني عن سنواته الثلاثة التي قضاها في نفس المدرسة, قائلاً أنه ارتاد المباريات التي كنت العبها وكان معجباً بلعبي, و انه كان يجب علي ان العب لفريق مدينتي. كنت واقفاً بجانب المسبح بينما هو يحكي عن مباريات لعبتها و حركات قمت بها, كل ذلك كان طيباً لكنه كان مرتدياً ملابسه على عكسي, تأثير الشاور الدافئ بدأ ينجلي و بدأت اشعر بالبرد. كانت هناك طريقة واحدة للهرب, قفزة مفاجئة للمسبح, كنت خائفاً, إنها مرتي الأولى في المسبح, لا أعرف أي شيء عن السباحة في مسبح, ما عمق المسبح وهل انا في المكان العميق ام الغير عميق لكن.. *طرطاش!* قفزت للمسبح. أسمع صوته الغير واضح تحت الماء, يا إلهي, إنني في الجزء العميق من المسبح, ويلاه! بعد معاناة, إستطعت ان اعود للسطح و أتنفس.

ظننت انني نجوت من ذلك الرجل, لكن هيهات! لقد قفز هو الاخر. يعوم خلفي, بكامل ملابسه, لايزال يتحدث عن الرميات الثلاثية و الدانكات. كنت أعاني قليلاً في السباحة بما انها مرتي الأول في المسبح, على عكسه. كان ذلك الهلع هو الذي ينال مني في المسبح, فأبدو كضفدع بشريّ يحاول البقاء على السطح وليس إنساناً يستمتع بالسباحة. إستطاع الرجل ان يلحق بي بكل سهولة, رغم انه يعوم بمعطف! و الآن هو يحمل دفتر جيب و قلم. يريد توقيعاً مني.

يا إلهي, يعرف انني مدون و مترجم مسلسلات و مبرمج, يقول انني شخص عظيم. إن الشهرة لها مساوؤها, لم اصدق جاستن بيبر وهو يقول ذلك, لكنني أرى ذلك بأم عينيّ الآن.

لم يكن لديّ أي خيار أخر. نظرت حولي. لم يكن هناك الكثير من الناس, ولا أحد كان يشاهدنا. لحسن الحظ كان اصدقائي في المسبح الاخر, لذا لم يروني. لم يروني و أنا أدفع برأسه تحت الماء. لم يروني و أنا أبقيه تحت الماء, بينما هو يفركل و يعاني, يصرخ “كراوش! كراوش!”, السافل لم يكن يعرف اسمي الحقيقي حتى. تطلب مني ذلك كل قوتي لأبقيه تحت الماء. بينما وجهي لا يظهر أي انفعال أو تعبير من أي نوع. وجهي لا يشير بأية طريقة إلى ما يحدث, بل أنني إبتسمت حتى إلى بضعة اطفال وهم يمرون بجانب المسبح.

شعرت بالسوء بعض الشيء. لقد كان من المفترض ان يكون يوماً بلا حمام, لكن هذا خطأه. لقد تجاوز كل الخطوط.

في منطقة يشدد فيها على النظافة, يطلب منك أن تستحم قبل ان تدخلها, قفز إلى المسبح بحذائه!

ذلك السافل الوسخ!

لا أحد يعبث مع “مول الساروت”.

9 تعليقات

  1. Meh
    مارس 25
    Reply

    سؤال سريع، أنا “غشيم” بثقافة بلاد المغرب، بس شو علاقة مول الساروت بالطول وشو هو أصلاً مول الساروت ….

    • مارس 25
      Reply

      مول الساروت هو “راعي الساروت” بلهجة الخليج, أي صاحب الساروت. الساروت هو المفتاح.
      ولا تدخل القامة الطويلة في القوى الخارقة لمول الساروت, بل هو مجرد نمو طبيعي لشخصية خارقة 🙂

      • Meh
        مارس 25
        Reply

        حسناإ إذاً

        شكراً رضوان ، كن بخير، ولا تنسانا من سيجارة فكرٍ جديدة قريباً 🙂

  2. أبريل 12
    Reply

    هههه
    ابتسامة كبيرة تعلو محياي بعد أن قرأت تدوينتك يا كراوش ههههه

    • أبريل 14
      Reply

      كالابتسامة التي تعلو محياي عند كل تعليق منك 🙂

  3. سطاتي
    يونيو 8
    Reply

    rather say : the keyMaster hahaha rak temma

  4. كالمسدس و الكلمة الطيبة. الأحداث فجأة تأخذ منعرجا خطيرا. ههههه
    قرأت ردك هناك لكني سبق و أن وصلت إلى هنا
    طريقتك في السرد محترفة. ربما يجدر بك التفكير في كتابة رواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

60 − 53 =